ابن الأثير

329

الكامل في التاريخ

قد حدث أمر لا بدّ لك من حضوره . فخرج إليه ، فأعلمه الخبر ، فمضيا مسرعين نحوهم ومعهما أبو عبيدة . قال عمر : فأتيناهم وقلت كنت زوّرت كلاما أقوله لهم ، فلمّا دنوت أقول أسكتني أبو بكر وتكلّم بكلّ ما أردت أن أقول ، فحمد اللَّه وقال : إنّ اللَّه قد بعث فينا رسولا شهيدا على أمّته ليعبدوه ويوحّدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى من حجر وخشب ، فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم . فخصّ اللَّه المهاجرين الأوّلين من قومه بتصديقه والمواساة له والصبر معه على شدّة أذى قومهم [ لهم ] وتكذيبهم إيّاهم [ 1 ] ، وكلّ النّاس لهم مخالف زار [ 2 ] عليهم ، فلم يستوحشوا لقلّة عددهم وشنف [ 3 ] النّاس لهم ، فهم أوّل من عبد اللَّه في هذه الأرض وآمن باللَّه وبالرسول ، وهم أولياؤه وعشيرته وأحقّ النّاس بهذا الأمر من بعده لا ينازعهم إلّا ظالم ، وأنتم يا معشر الأنصار ، من لا ينكر فضلهم في الدين ولا سابقتهم في الإسلام ، رضيكم اللَّه أنصارا لدينه ورسوله وجعل إليكم هجرته فليس بعد المهاجرين الأوّلين عندنا بمنزلتكم ، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء ، لا تفاوتون بمشورة ولا تقضى دونكم الأمور . فقام حباب بن المنذر بن الجموح فقال : يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإنّ النّاس في ظلّكم ولن يجترئ مجترئ على خلافكم ولا يصدروا إلّا عن رأيكم ، أنتم أهل العزّ وأولو العدد والمنعة وذوو البأس ، وإنّما ينظر النّاس ما تصنعون ، ولا تختلفوا فيفسد عليكم أمركم ، أبى هؤلاء إلّا ما سمعتم ، فمنّا أمير ومنكم أمير . فقال عمر : هيهات لا يجتمع اثنان [ في قرن ] ! واللَّه لا ترضى العرب

--> [ 1 ] إياه . [ 2 ] زأر . [ 3 ] ( الشّنف : البغض والتنكر ) .